محمد بن أحمد الفاسي

230

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

أربع وثمانين وسبعمائة ، واستمر حتى خلع في أوائل جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ، بعد تخلى أصحابه عنه . وعند وصول العساكر الشامية إلى الديار المصرية ، صحبة الأمير يلبغا الناصري ، وأعيد الملك الصالح حاجى بن الأشرف ، ولقب بالمنصور ، وبعث الملك الظاهر إلى الكرك . فاعتقل بها أشهرا ، ثم أطلق في ثالث شهر رمضان سنة إحدى وتسعين ، وأقام بها حتى استفحل أمره ، ثم خرج منها في ثالث عشرى شوال إلى دمشق ، فلقيه عسكر من الشام فهزمه ، ثم نزل في العشر الوسط من ذي القعدة ، على قبة يلبغا ظاهر دمشق ، واستولى على جميع بلاد الشام ، ما خلا داخل دمشق ، وما قرب من السور وبعلبك ، وأتاه نائب حلب كمشبغا الحموي ، فيمن معه من عسكر حلب ؛ لأنه نقم على منطاش قيامه على الناصري ، فقوى به أمر الظاهر . ولما سمع باقترب العسكر المصري ، رحل من قبة النصر للقائه ، في ثالث عشر المحرم سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة . فالتقا الجمعان في يوم الأحد رابع عشره ؛ بمكان يقال له شقحب « 1 » بقرب الكسوة « 2 » . فحمل جاليش المصريين على جاليش الظاهر ، فكسر جاليشه ، وحمل الظاهر على الساقة فهزمها وظفر فيها بالمنصور والخليفة المتوكل والقضاة وغيرهم . وبويع هناك بالسلطنة بعد أن أشهد المنصور بخلع نفسه ، وأعرض الظاهر عن دمشق ؛ لأن منطاش هرب إليها وحصنها . وكان خروجه من مصر مع المنصور ، في سابع عشر ذي الحجة من سنة إحدى وتسعين . وأقام الظاهر بشقحب أياما ، ثم سار إلى مصر فوصلها في رابع عشر صفر ، وفيه جلس على سرير الملك بها . وكان وصوله إليها بعد أن استولى عليها بعض مماليكه ، لأنهم كانوا مسجونين في سرب في القلعة ، فنقبوه حتى أخرجهم إلى موضع يتوصلون منه إلى القلعة ، وخرجوا منه ليلا ، فلم يكن للذين تركهم منطاش بها قدرة على قتالهم ، فاستولوا على القلعة . وبعثوا إلى مولاهم الظاهر يعرفونه الخبر قبل علمهم بحاله ، فازداد بذلك سرورا ، ثم جهز عسكرا إلى دمشق ، فاستولوا عليها بعد هرب منطاش ، ثم عمل عليه ، حتى قتل ، وحمل إليه رأس منطاش ، وأباد أعداءه واحدا بعد واحد ، حتى صفى له

--> ( 1 ) قرية في الشمال الغربى من جبل غباغب من ضواحى دمشق . انظر : النجوم الزاهرة 8 / 159 . ( 2 ) الكسوة : قرية هي أول منزل تنزله القوافل إذا خرجت من دمشق إلى مصر . انظر : معجم البلدان ( الكسوة ) .